فخر الدين الرازي

198

تفسير الرازي

أصل الفئة من قولهم : فأوت رأسه بالسيف ، وفأيت إذا قطعت ، فالفئة الفرقة من الناس ، كأنها قطعة منهم . المسألة الثالثة : قال الفراء : لو ألغيت من ههنا جاز في فئة الرفع والنصب والخفض ، أما النصب فلأن * ( كم ) * بمنزلة عدد فنصب ما بعده نحو عشرين رجلاً ، وأما الخفض فبتقدير دخول حرف * ( من ) * عليه ، وأما الرفع فعلى نية تقديم الفعل كأنه قيل : كم غلبت فئة . وأما قوله : * ( والله مع الصابرين ) * فلا شبهة أن المراد المعونة والنصرة ، ثم يحتمل أن يكون هذا قولاً للذين قالوا : * ( كم من فئة قليلة ) * ويحتمل أن يكون قولاً من الله تعالى ، وإن كان الأول أظهر . قوله تعالى * ( وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : المبارزة في الحروب ، هي أن يبرز كل واحد منهم لصاحبه وقت القتال ، والأصل فيها أن الأرض الفضاء التي لا حجاب فيها يقال لها البراز ، فكان البروز عبارة عن حصول كل واحد منهما في الأرض المسماة بالبراز ، وهو أن يكون كل واحد منهما بحيث يرى صاحبه . المسألة الثانية : أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع العوام والضعفاء أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، وأوضحوا أن الفتح والنصرة لا يحصلان إلا بإعانة الله ، لا جرم لما برز عسكر طالوت إلى عسكر جالوت ورأوا القلة في جانبهم ، والكثرة في جانب عدوهم ، لا جرم اشتغلوا بالدعاء والتضرع ، فقالوا : * ( ربنا أفرغ علينا صبراً ) * ونظيره ما حكى الله عن قوم آخرين أنهم قالوا حين الالتقاء مع المشركين : * ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ) * ( آل عمران : 146 ) إلى قوله : * ( وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) * ( آل عمران : 147 ) وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل المواطن ، وروي عنه في قصة بدر أنه عليه السلام لم يزل يصلي ويستنجز من الله وعده ، وكان متى لقي